محمد هادي معرفة
173
التمهيد في علوم القرآن
كانوا كلّما حاولوا مضاهاته ، افتضح بهم الأمر ، وفشلوا في نهاية المطاف ، وهكذا على مرّ العصور . الأمر الذي سجل على محياه الكريم : أنّه لم يسبق له نظير ، ولا يخلفه أبدا بديل ! فإن كان النظّام وأصحابه إنّما أرادوا المضاهاة في مجموع هذه الجوانب والمزايا اللفظيّة والمعنويّة ، فنحن نطالبهم أن يأتوا بشاهد من كلام العرب أو غيرهم من باب المثال ، ولكنهم أعجز من أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا له وإن أرادوا المباهاة ببدائع بعض روائع الكلام ، فهذا شيء لا ننكره ، ولكنّه ليس كلّ شأن الإعجاز ، ولا وقع التحدّي بمثله . وقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 1 » . قولة قالها النضر بن الحارث بن كلدة كان من زعماء قريش ومن شياطينهم الأفاكين ، صاحب ثروة ونفوذ كلمة . كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلمّا قدم مكة سمع كلام النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) والقرآن ، فزعم أنّه من قبيل ذاك ، فحسب من نفسه القدرة على مماثلته . . . كما كان قد تعلّم بعضا من أحاديث ملوك فارس ( أساطير رستم واسفنديار ) فكان يقصّها على جهلاء العرب استحواذا عليهم ليلهيهم عن حديث الإسلام وذكريات القرآن ، زاعما أنّه بذلك يقابل رسول اللّه في كلامه وتلاوة قرآنه . كان إذا
--> وله مقالات أخرى أيضا أنكروها عليه ، فآل أمره إلى القتل صبرا . ذبحه - كما يذبح الكبش - خالد القسري أمير العراق من قبل هشام بن عبد الملك بأمره . ذكر ذلك ابن الأثير في حوادث ( سنة 125 ) : ج 5 ص 263 . وراجع ص 429 أيضا . وقد جعل الأستاذ عرفة ذلك دليلا على قوله بالصرفة . فهو أول من ذهب هذا المذهب . . . وهو وهم . . . لأنّه - على فرض صحة النسبة - إنّما حاول بذلك إنكار أصل الإعجاز . . . كما وهم في علي بن عيسى الرماني أيضا قوله بالصرفة . . في حين انه جعله أحد الوجوه للإعجاز . . راجع : النكت في الاعجاز : ص 110 . ( قضية الإعجاز القرآني : ص 148 - 149 ) . ( 1 ) الأنفال : 31 .